ربما كان المقتول في غزة أفضل حظاً ممن يعيش، عبارة قاتلة وصادمة في الوقت نفسه، ولكن معبرة في تلك الأوضاع من العيش التي لا توصف في رداءتها، الا بكونها مزرية وغير إنسانية. نوعية الحياة في غزة اليوم لمن بقي على قيد الحياة، خيام يملأها المطر، وبرد لا دفء فيه، وجوع بلا أمل في زاد، ومرض بلا دواء، وأطفال بلا غذاء، نزوح من منطقة غير آمنة الى أخرى، حتى وصل الأمر إلى أن يحجز أكثر من مليون إنسان في مربع لا تزيد مساحته على مساحة ملعبي كرة قدم. إنه وضع يفوق مذبحة الهولوكوست التي تمت في ألمانيا النازية، مع شعور غامر من العرب بالتعاطف مع الضحية من دون توقف لمعرفة الدوافع وتمحيص النتائج.

 

الإنسان الفلسطينيي رقم غير موجود لدى كل من إسرائيل و”حماس”، الأول عدو شرس، موقفه المتوحش واللاإنساني قديم قدم نكبة عام 1948 ومناصر من القوى العالمية، والثانية مجموعة خارجة عن تفكير العصر ليس هناك تفسير لدخولها معركة غير متكافئة.

 

هي الحرب بالنيابة التي تخوضها ايران بالدم العربي، وبوكلائها الذين يصفون ما يفعلونه على أنه عمل وطني، ولم تعد العقول بقادرة على التسليم به وتضخيم “مقاومة حماس” رغم الاعتراف بشجاعة المقاتلين، إلا أن المعضلة ليست في الشجاعة، ولكن في النتيجة والثمن المدفوع، وأن تكون هناك بندقية من دون هدف سياسي، أو تكون بندقية تنفذ أجندة دولة أخرى، لا يهمها الدم المراق في صراعها مع الآخر، خاصة أن ذاك الدم ليس خاصاً بها، بل بجنس تأخذ منه موقفاً حضارياً سلبياً كما هو معلوم.

 

إيران، رغم كل الصراخ الأيديولوجي الذي تروج له عبر وكلائها، عندما اقتربت منها النيران تراجعت. فقد استثمرت في بعض القوى العربية لأسباب انتهازية أو غيبية أيديولوجية أو غير ذلك من الأسباب، فأوعزت إلى تلك القوى في العراق واليمن ولبنان بأن تقوم بمشاغله إسرائيل، ليس من أجل مكسب وطني عراقي أو يمني أو لبناني، بل من أجل تنفيذ استراتيجية اعتمدتها منذ زمن، وهي التضحية بدماء الآخرين (العرب)، وانتهينا حتى الآن بمعادلة صفرية، إما أن يفنى أهل غزة عن بكرة أبيهم ويحاصروا في ركن من القطاع محشورين، أو تنتصر الإرادة الإيرانية بمناورتها التي أصبحت معروفة. وحتى لو فني أهل غزة، لا تقلق… الجمهورية الإيرانية باقية!

 

صحيح أن المجتمع الإسرائيلي بدأ يشعر بالمعاناة جراء الحرب، ولكن الصحيح أيضا أن موارد الولايات المتحدة التي ساندت اسرائيل، مستمرة في التدفق لأسباب يعرفها أي باحث ومطلع، وتلك الموارد أكثر وأعظم من موارد النظام الإيراني، وكل ما هو معروض سفك دماء أكثر من العرب لا غير.

 

لن تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة إيران، على الأقل ليس في هذه الظروف، ولكنها سوف تستهدف عرباً موالين لإيران ودولهم التي تئن من الفقر وغياب الدولة والتشرذم الداخلي، وأيضا تقدم كل ما ترغب إسرائيل بالحصول عليه من عتاد ومال وتأييد في المنابر الدولية.

 

ما هو معروض اليوم هو الخطة التي نوهت عنها بالتفصيل تحت عنوان “الأمور بخواتيمها” (انظر “غوغل”)، وهي خروج “حماس” من حكم غزة، تسوية تاريخية بعد ذلك، ولا أريد تكرار تفاصيل الخطة، وغير تلك الخطة غير موجود، وهي خطة وافقت عليها الأطراف في اجتماع باريس قبل أسبوعين، إلا أن قيادة “حماس” لديها مشروع مختلف، فقدمت خطة مضادة، همّها أن تبقى تحكم القطاع حتى لو تحول الى صحراء بلا بشر، وهو أمر خبرناه في كل المجموعات التي تنتمي الى الإسلام الحركي. لقد خبرناه في السودان وفي اليمن وفي تونس، وفي بعض الدول التي مر عليها ذلك الحكم الحركي المغموس بأيديولوجيا نكوصية مفارقة للعصر.

 

حقيقة، ما فعلته “حماس” في 7 تشرين الأول (أكتوبر) وضع معظمنا في حيرة كبرى، مناصرة لقضية عادلة، وقيادة إيديولوجية تعبر علناً وتفعل على الأرض ما تعلن عنه، وهو الارتباط الكامل بمشروع ولاية الفقيه تحت ذرائع مختلفة، وقد فشلت الأخيرة في خدمة شعبها الذي يرزح تحت كمّ من القهر غير مسبوق في تاريخه الحديث، فكيف لها أن تنجح في أماكن أخرى؟ وسيلتها لفرض الهيمنة هي التسلط والقمع لا أكثر.

 

القول السابق قد لا يقبله البعض (فلن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم)، وهكذا ركب الكثير من الرأي العام العربي مركب الأمل الكاذب الذي تغلب عليه العاطفة ويبتعد عنه التفكير المنطقي.

 

قد لا يهم “حماس” شطب مؤسسة “الأونروا” التي تغيث الفلسطينيين، على الرغم من التهم السخيفة التي وجهت اليها، فهي مؤسسة دولية أنشئت بقرار من الجمعية العامة عشية النكبة، قرار رقم 302 (رابعاً) وهي ترعى أكثر من ستة ملايين لاجئ، في التعليم والصحة، وتقوم بتدريس نصف مليون طالب وطالبة، وبلغت موازنتها العام الماضي أكثر من مليار دولار، إلا أنها اليوم تواجه قوة ضغط هائلة من الدول الكبرى التي سحبت تمويلها. شطب الأونروا يعني أولاً تعطيل عمليات الإغاثة، وثانياً دفع ملايين الفلسطينيين إلى الفقر والجهل معاً، وثالثا شطب وجود لاجئين، وهي سياسة قاصرة من الغرب تتبع شهوة اليمين الإسرائيلي، ولكنها في الحروب تجد من يبررها، فيعود الشعب العربي الفلسطيني الأكثر تعليماً الى جهل يتلقفه الإسلام الحركي بكل ترحاب، من اجل تعميق التشدد الذي يسره خلط الفقر بالجهل عن طريق الشعوذة.

 

أمام هذه الصورة القاتمة، هل تتخلى قيادة “حماس” عن الشعارات والشغف بالسلطة وتسهل الاقتراح الدولي المتداول بتخليها عن حكم غزة وإخراج قيادات وازنة من السجون الفلسطينية، واجراء انتخابات للسلطة الفلسطينية تغير معها الوجوه والسياسات ويحصل الفلسطينيون على دولة؟ ذلك الخيار هو المطروح امام القوى المتصارعة وسرعة قبوله تعني حقن دماء زكية تهدر، كما تهدر فرص تاريخية أخرى.

 

بعض المشككين يرون أن إسرائيل لن تنفذ الاتفاق، وهي ذريعة من دون أن يتخيلوا البديل، إلا أن الخطة مدعومة بقرارات دولية، من أجل اغلاق هذا الملف أخيراً وبعد تضحيات هائلة، فهل يضحي الجزء من أجل الكل؟

 

بقلم: محمد الرميحي