جثث القتلى المتناثرة في الشوراع، وصرخات الأطفال المكتومة ونظرات الثكالى واليتامى، مشاهد حزينة تستعرض على طريقتها أوجاع السودانيين.

تذاكر ألم يقتطعها سكان بلد مزقته المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقضت مضاجعه أصوات القصف وزخات المدافع تقطع لياليهم وتصلها بنهارهم.

وفي تصريحات منفصلة ، تحدث طبيب عن محنة الهروب من الخرطوم، مستعرضا تفاصيل أليمة عن رحلات بطعم العلقم، يتجرع مرارتها هو وسودانيون كثر أثناء فرارهم.

أحمد المهدي، أحد أشهر الأطباء بمستشفيات الخرطوم، أب لطفلين، وكان يعيش في أرقى أحياء المدينة قبل أن يدفعه جحيم الحرب للهروب إلى مصر.

بألم ومرارة تحدث، فانسابت كلماته موجعة بحجم ألمه، تقطعها لحظات صمت تسرد أكثر مما يفعل فمه.

 

أشد قسوة 

يقول: “أولا يجب أن تعلم أن الشعب السوداني يا صديقي عظيم ولديه من الكبرياء وعزة النفس والقوة ما يجعله يعيش أصعب الأوقات متكاتفًا ومتكافلًا مع بعضه”.

ويضيف: “لقد سبق وتحملنا العقوبات الاقتصادية والحصار في عهد حكم الكيزان (الإخوان) بنفوس صابرة وأبية، وتحملنا نفقة حربهم في الجنوب التي خسرنا فيها أبناءنا واقتصادنا”.

وتابع مشددا على أن ذلك “لم يكن حبا في الإخوان بقدر حبنا وانتمائنا للسودان، فلقد ضربنا نموذجا للتكاتف والتكافل النادر، وتغلبنا على قلة الإمكانيات بالروح السودانية الطيبة التي عرفها العالم أجمع”.

جحيم الخرطوم

واستطرد: “غير أن ما تشهده الدولة والشعب السوداني هذه المرة أشد قسوة وقبحًا من الحصار الأمريكي، فالحرب الدائرة الآن أنتجت مناخًا طاردًا للسودانيين من وطنهم، مناخًا مسمومًا يقتل النخوة والمحبة والانتماء، ويدفع فيه الرجل من أمواله للحفاظ على حياته خوفًا من سودانيين مثله”.

ومضى يقول: “الحياة في الخرطوم أصبحت جحيما لا يطاق، فقد تم تدمير كافة المنشآت الحيوية مثل محطات الكهرباء ورفع المياه وتم نهب البنوك، وارتفعت الأسعار عشرات الأضعاف لبعض المواد العذائية، واختفت بعض المواد تمامًا كما أنه لا وجود للمستشفيات أو الصيدليات ولا أمن ولا أمان”.

مدينة أشباح

وفي معرض حديثه. أشار أحمد إلى أن “الخرطوم التي كانت تنبض بالحياة أصبحت مدينة أشباح، فمن النادر أن تجد سيارات تتحرك في شوارعها، أو تجد بيوتا بها إنارة”.

وتابع بذات المرارة أن “السودانيين لم يعد لديهم المال لشراء احتياجاتهم فقد أغلقت البنوك، كما أن التكافل الذي تم في بداية الأزمة لم يعد يجدي مع استمرارها”.

ولفت إلى أن “الحياة لم تعد آمنة في الخرطوم، فالخوف يقتل السودانيين، ومن بقي في بيته غير آمن ومن فر فهو غير آمن أيضا، والدولة بأجهزتها لم توفر لنا الحماية”.

 

ومنفعلًا: “أنا أنقل واقعا مريرا أكثر مما يتخيله أحد، وأكثر مما تتحمله ذاكرتي ونفسيتي، ومهما تحدثت لن تشعر بمرارة أن يموت جارك وأنت لا تعرف، أن يموت ولا تستطيع حتى أن تدفنه في المقابر ولا أقول أن تقيم له عزاء فهذه رفاهية لا يملكها السودانيون في الخرطوم الآن”.

ويعود بذاكرته إلى أحداث يبدو أنها قاتمة لدرجة أنها ضاعفت تجهم ملامحه دفعة واحدة: “قبل فترة توفي الدكتور أحمد حسين كبير أخصائي العظام بالسودان في بيته، بسبب نقص الدواء، رجل كهذا وهو قيمة طبية كبيرة وأبناؤه أطباء مقيمون خارج السودان، يموت وجيرانه لا يعرفون؟”.

“الكل خائف ومختبئ في بيته”، يستطرد، “الكل مشغول بتأمين شؤون أسرته”.

ثم تابع متسائلا: “هل من المعقول أن تموت الدكتورة ماجدولين أشهر طبيبة تخدير في الخرطوم وشقيقتها في بيتهما دون أن يعرف بموتهما إلا جارتهما وتم دفنهما في حديقة منزلهما لصعوبة الوصول إلى مقابر؟ أي ألم أكثر من ذلك؟”.

من محنة لجحيم

يصمت أحمد للحظات قبل أن يرفع نظراته ويقول: “أنا طبيب وأشعر بمسؤولية من نوع ما تجاه المرضى، هل تعلم أن أمس فقط في دارفور توفي 75 من مرضى الكلى كان من المفترض أن يقوموا بجلسة غسيل ولم تتم بسبب نقص الأدوية”.

 

وأردف: “هل تعلم يا صديقي أن المعونات الطبية التي تصل للسودان وبسبب التشكك في محتوى صناديقها يتم تفتيشها بشكل عشوائي فتتكسر وتصبح غير قابلة للاستخدام الطبي؟، أي جحيم أكثر من ذلك؟، مريض يملك مالا وطبيب يريد تقديم خدمته، ولكن لا مستشفيات ولا أدوية ولا مستلزمات، والنتيجة أعداد مهولة قضت عليهم الحرب”.

وخلص: “هذا الجحيم هو ما دفعنا لمغادرة الوطن، وما تكبدناه في طريق الفرار جحيم لا يقل ألما عن البقاء في الخرطوم”، قبل أن تثقل الكلمات لسانه فيعتذر عن مواصلة الحديث، مرجئا المقابلة لوقت لاحق.

غاب صوت أحمد، لكن يبقى صداها عالقا بذاكرة كل سوداني اختبر مرارة الأزمة ومحنة الهروب وتجربة الموت في اليوم أكثر من مرة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *