في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع تحت وطأة كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يتفشى الجوع، وتنهار الخدمات الأساسية، ويخيم الدمار على كل زاوية. لكن وسط هذا المشهد المأساوي، تتصاعد اتهامات شعبية ومصادر إعلامية لحركة حماس، الحاكمة للقطاع منذ عام 2007، بأنها تتحمل المسؤولية الكبرى عن استمرار المعاناة، بسبب سوء إدارتها للأزمة، واهتمامها بمصالحها الداخلية على حساب احتياجات المواطنين.

منذ بداية الحرب، تعرضت البنية التحتية في غزة لدمار شبه كامل، حيث دُمّرت آلاف المنازل، وتوقفت أغلب شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. ومع الحصار الإسرائيلي المشدد، تعمقت أزمة الغذاء والدواء بشكل حاد، لتصبح حياة السكان مرتبطة بمساعدات إنسانية شحيحة تصل بشكل متقطع، وفي كثير من الأحيان لا تصل إلى مستحقيها.

سكان محليون يقولون إن الجوع أصبح السمة الأبرز في القطاع، حيث تعاني آلاف العائلات من عدم توفر وجبة واحدة كاملة يوميًا. ورغم وصول قوافل مساعدات عبر معابر محدودة، تتكرر الشكاوى من أن هذه المساعدات يتم الاستيلاء على جزء كبير منها قبل أن تصل إلى المحتاجين.

اتهامات بسرقة المساعدات وتشكيل عصابات

وفق مصادر محلية تحدثت لـ”الشرق الآن”، برزت خلال الأشهر الماضية أسماء لمسؤولين في حكومة حماس متورطين – بحسب الاتهامات – في عمليات منظمة لسرقة المساعدات وبيعها في الأسواق عبر شبكة من التجار. ومن بين هؤلاء، ذكرت المصادر اسم تامر أبو دبوس وأبو طاهر القدرة، اللذين يُتهمان بالإشراف على تشكيلات “عصابية” أُفرج عن عناصرها من السجون خلال الحرب، لتعمل تحت إمرتهم في الاستيلاء على المواد الإغاثية وبيعها للتجار بأسعار مرتفعة.

هذه المزاعم، التي تتناقلها عدة جهات إعلامية، أثارت موجة غضب واسعة بين السكان، الذين يرون أن المساعدات التي تدخل باسم “الإغاثة الإنسانية” تحولت إلى مصدر ربح لفئات نافذة داخل الحركة، بدلًا من أن تخفف من مأساة الجوع والفقر.

ولم تتوقف الاتهامات عند ملف المساعدات، إذ يذكر مواطنون وتجار أن وزارة الاقتصاد في حكومة حماس استمرت منذ بداية الحرب في فرض رسوم وجبايات مالية على السلع والبضائع التي تدخل القطاع، وحتى على المواد الغذائية الأساسية.

وبحسب التجار، كانت الوزارة تحصل أموالًا طائلة من “التنسيقات التجارية” التي تسمح بدخول البضائع عبر المعابر، وهو ما ساهم في ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في الأسواق المحلية، ما جعلها بعيدة عن متناول أغلب المواطنين الذين يعيشون بلا دخل منذ أشهر طويلة.

استثمارات خارجية مثيرة للجدل

وفي الوقت الذي يعاني فيه سكان القطاع من الجوع وانعدام فرص العمل، تكشف تقارير إعلامية عن مشاريع تجارية واستثمارات تابعة لمسؤولين في حكومة حماس بدول عربية. ووفق المعلومات التي حصلت عليها “الشرق الآن”، افتتح أحد كبار مسؤولي وزارة الاقتصاد في غزة، والتابع لحكومة حماس، مطعمًا في سلطنة عُمان مؤخرًا، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول مصادر التمويل، خاصة في ظل الاتهامات بتحويل أموال الجبايات والمساعدات إلى مشاريع خاصة خارج القطاع.

وملف آخر يزيد من غضب الشارع الغزي يتمثل في ما كشفته مصادر مطلعة عن أن حركة حماس تفرض عمولات مرتفعة جدًا على الأموال المحولة من الخارج إلى أهالي القطاع عبر مكاتبها أو شبكاتها المالية. وبحسب هذه المصادر، وصلت نسبة العمولة مؤخرًا إلى 50% من قيمة المبالغ المحولة، ما يعني أن نصف المساعدة التي يرسلها أقارب أو متبرعون من الخارج تُقتطع قبل أن تصل إلى المستفيد الفعلي.

تقول أم محمد، وهي سيدة فقدت منزلها وتعيش في خيمة مع أطفالها، إنها تلقت تحويلًا ماليًا من ابنها في الخارج بقيمة 200 دولار، لكنها لم تحصل سوى على 100 دولار بعد خصم “العمولة”. وتضيف بغضب: “حتى مساعداتنا من أهلنا يسرقونها. لم نعد نثق في أحد.”

الانتقادات لم تأت فقط من المعارضين التقليديين لحكم حماس، بل امتدت لتشمل بعض مؤيديها السابقين، الذين عبّروا عن خيبة أملهم من أداء القيادة خلال الحرب، واعتبروا أن القرارات السياسية والعسكرية التي اتخذتها منذ 7 أكتوبر أدت إلى دمار شامل دون أي مكاسب ملموسة.

وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات داخل القطاع وخارجه لتغيير شكل الحكم في غزة، سواء عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو إدارة مدنية مستقلة، أو أي صيغة بديلة تنهي احتكار حماس للسلطة. ويؤكد مراقبون أن استمرار الوضع الحالي، مع تراكم الاتهامات بالفساد واستغلال المساعدات، قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات وربما انفجار داخلي يصعب احتواؤه.

بينما يستمر الجوع والدمار في تمزيق غزة، تتصاعد الاتهامات ضد حركة حماس بارتكاب تجاوزات وفساد مالي في وقت حرج من تاريخ القطاع. وإذا لم يتم اتخاذ خطوات عاجلة لمعالجة الأوضاع الإنسانية ووقف استغلال المساعدات، فإن الكارثة الإنسانية قد تتفاقم لما هو أبعد مما يشهده القطاع اليوم، تاركةً مستقبل غزة في مهب المجهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *