هنا كادت تنفجر الجدران من فرط “السلطة”.. تعلقت الكاميرات بظلال الأبواب.. ومارس الصحفيون الكر والفر خلف المسؤولين.

لكن الحال تبدل ورمز “السلطة” بات مقرا مهجورا لا يحمل من الماضي سوى لافتة “البرلمان الألماني”، وأثرا لمجد تلقفته مدينة أخرى.

Thank you for reading this post, don't forget to subscribe!

هذا هو حال مقر البرلمان الألماني “البوندستاغ” في مدينة بون، عاصمة ألمانيا الغربية قبل الوحدة، وبقية مقرات حكومة الدولة السابقة، بعد أن جذبت برلين هالة السلطة والهيبة منذ 1991.

واليوم، وفيما تصطف طوابير على دخول قاعة المؤتمرات على بعد بضعة أمتار، لحضور قمة المناخ في بون، يقف مقر البرلمان القديم على الجهة المقابلة كشاهد حزين على ماض صخب وحاضر يلفه الصمت.

البوندسهاوس (البيت الفيدرالي) هو مجمع بناء في الحي الحكومي في بون كان بمنزلة مبنى البرلمان المؤقت لألمانيا الغربية، حيث عقد البوندستاغ “الغرفة السفلى” والبوندسرات “الغرفة العليا”، اجتماعاتهما من عام 1949 حتى عام 1999.

وقبل أن يصبح “البيت الفيدرالي”، كان المبنى المشيد بين عامي 1930 و1933، مقر أكاديمية تربوية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن بعد فوز بون بمقر الحكومة بعد الحرب، وبالتحديد في 1949، جرى تحويله إلى المقر المؤقت للبرلمان بغرفيته، وعقدت أول جلسة برلمانية داخله في نفس العام.

بين هذه الجدران التي تبدو في الصور اليوم صامتة، ألقى الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون خطابا رنانا أمام النواب الألمان في فبراير/شباط 1969، وصيغت التشريعات التي قادت إلى نهضة ألمانيا الغربية الاقتصادية في السبعينيات والثمانينيات.

وقت كان مراسل  يلمس التناقض بين صمت “البرلمان القديم”، وصخب قمة المناخ على الجهة المقابلة، التقط أطراف الحديث مع توماس ليون، شاب ألماني ناشط في قضايا المناخ، حيث قال “هكذا تصبح مقرات الحكم بعد أن تحال إلى التقاعد”.

وتابع “عندما تمر هنا حتى في الأيام العادية، تلمس كيف تتحول الحياة بين يوم وآخر، ويفقد مكان، بل مدينة بأكملها، الحياة والصخب، وتتوارى إلى الخلفية كمكان عادي وربما أثر مفرغ من السلطة”.

الحي بأكمله هادئ وصامت، لا مواكب ضخمة، ولا أمن في كل مكان، حتى محطة قطارات الأنفاق القريبة تغط في هدوء وصمت لا يقطعه سوى قدوم قطار أو مغادرة آخر، وخارجها تجد مقر الرئيس الألماني في بون؛ المعروفة بفيلا هامرشميدت؛ مقر الرئاسة من 1950 إلى 1994، قبل أن يجذب قصر بيليفو السلطة والهيبة.

في أروقة فيلا هامرشميدت المغلقة اليوم بالأبواب الحديدية، كانت الحياة صاخبة في زمن سابق، وسار بين جدرانها رؤساء أمريكا السابقون، جون كينيدي، ولوندون جونسون، ونيكسون وجيرارد فورد وجيمي كارتر، ورونالد ريغان، ورئيس فرنسا الراحل، شارل ديغول، وغيرهم من قادة العالم.

 

أمتار قليلة من الفيلا الشاهدة على عصر مضى، ينتصب قصر شومبورغ الذي يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، لكنه اكتسب شهرته بعد الحرب العالمية الثانية، وتحوله في ١٩٤٩ إلى مقر للمستشار الألماني في بون.

من هذا القصر، حٌكمت ألمانيا الغربية في أصعب فترات البلاد، وصيغت سياسات الحكم والعلاقة مع الدول الخارجية، واستقبل زعماء ووزراء كان أولهم روبرت شمان وزير خارجية فرنسا في يناير/كانون الثاني 1950.

كما وقعت اتفاقية توحيد ألمانيا الشرقية والغربية بين جنبات هذا القصر في 1990، قبل أن ينتهي دوره تماما كمقر للحكم في ١٩٩٩ في أثناء رئاسة المستشار جيرهارد شرودر للحكومة الألمانية، ما أنهى ما بات يعرف تاريخيا بـ”جمهورية بون”، وتسقط المدينة بعدها في هوة “نوستالغيا السلطة والهيبة”.