لم تذر رياح النزاع الدائر منذ منتصف أبريل/نيسان الماضي بين الجيش، وقوات “الدعم السريع”، شيئا على حاله دون أن تزعزعه بالسودان.

 

وضربت العواصف السياسية القوية صفوف حركة “العدل والمساواة”، ما تسبب في انقسامها جراء التباين في وجهات النظر حول هذا النزاع المستمر بين الجيش و”الدعم السريع”.

ما هي “العدل والمساواة”؟

وحركة “العدل والمساواة” هي جماعة معارضة في السودان، أسسها خليل إبراهيم في عام 2000، وقادها شقيقه جبريل إبراهيم منذ عام 2012 بعد وفاة شقيقه خليل في ديسمبر/كانون الأول 2011.

وتتضمن الأجندة السياسية لحركة العدل والمساواة قضايا مثل “الإصلاح الدستوري الجذري والشامل لمنح مناطق السودان نصيبا أكبر من السلطة في حكم البلاد، واستبدال الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي بالعدالة والمساواة، والحرص على تقديم الخدمات الضروريّة والأساسية لكل سوداني”.

انقسام علني

ومؤخرا أعلنت قيادات نافذة في الحركة انشقاقها رسميا من التنظيم الأم، واختارت المسؤول السياسي سليمان صندل حقار رئيسا للحركة، بديلا لرئيسها جبريل إبراهيم.

وفي الفترة من 28 إلى 30 أغسطس/آب الماضي عقدت المجموعة، التي يقودها 4 من قيادات الصف الأول التي أعفاها رئيس الحركة جبريل إبراهيم من مناصبها، مؤتمرا عاما استثنائيا بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في 14 أغسطس/آب الماضي.

واحتدمت الخلافات بين القيادات داخل الحركة خلال الشهرين الماضيين، بسبب التباين في وجهات النظر حيال النزاع الدائر في السودان.

كما لاحقت المسؤول السياسي سليمان صندل، وأمين التفاوض والسلام أحمد تقد لسان، فضلا عن نائب الرئيس عيسى آدم حسابو، وأمين التنظيم والإدارة محمد شرف، اتهامات بعقد اجتماع سري مع قائد ثاني قوات الدعم السريع عبدالرحيم دقلو في العاصمة التشادية إنجمينا خلال يونيو/حزيران الماضي، دون تفويض من مؤسسات الحركة، قبل أن يصدر جبريل إبراهيم قرارا بإبعادهم من مناصبهم.

تقويض النظام الديمقراطي

وقال سليمان صندل في الجلسة الختامية للمؤتمر إن “المؤتمر الاستثنائي راجع قرار الحركة السابق بشأن تأييد مشاركتها في انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 -حسب وصفه- وأقر بالخطأ الذي ارتكبته جراء ذلك ومساهمتها في تقويض النظام الديمقراطي المدني”.

وأوضح أن “حركة العدل والمساواة ستكون منفتحة على كل القوى السياسية عدا حزب المؤتمر الوطني المحلول، الذي اتهمه بفصل جنوب السودان وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في إقليم دارفور”.

وأشار صندل إلى موقفهم المحايد من النزاع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع، وقال “سنعمل مع كل القوى السياسية وحركات الكفاح المسلح لوقف الحرب وحماية المدنيين”.

ودعا قيادات الجيش والدعم السريع إلى “تحكيم صوت العقل بوقف القتال”، ودعا السودانيين وكل القوى المدنية إلى “الكف عن خطاب الكراهية والعنصرية وتعزيز السلم الاجتماعي باعتبار أن السودان يسع الجميع”.

الرؤية المستقبلية

وأجاز المؤتمرون تعديلات حول النظام الأساسي للحركة تتيح للرئيس المنتخب اختيار نائبه ومكتبه التنفيذي، فضلا عن الأمين العام للحركة بدلا عن انتخابهم، كما أجازوا ورقة سياسية تتضمن الرؤية المستقبلية للتنظيم الجديد وشكل التحالفات السياسية خلال الفترة المقبلة.

وتعد حركة العدل والمساواة السودانية ضمن قوى سياسية وأهلية وجماعات مسلحة موقعة على اتفاق جوبا للسلام، والتي وفرت الغطاء السياسي لحركة 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021 التي نفذها قائدا الجيش والدعم السريع ضد الحكومة المدنية التي كان يرأسها عبدالله حمدوك، عندما نظمت اعتصاما أمام القصر الرئاسي قبل أيام من وقوعها.

وشدد صندل على أن “حركة العدل والمساواة لا تنتمي لليسار أو اليمين، وتعمل من أجل المواطنة المتساوية”.

وأكد أن “الفساد تسبب في دمار السودان”، مطالبا سكرتارية المؤتمر بأن “تضمن مكافحة الفساد في البيان الختامي”، وشكر دول إثيوبيا وتشاد ومصر.

وكانت القيادات المشاركة في المؤتمر وجهت انتقادات لاذعة إلى رئيس الحركة جبريل إبراهيم، واتهمته بمخالفة النظام الأساسي الذي يمنع التجديد لرئيس الحركة لأكثر من دورتين.

كما حملته مسؤولية إبعاد قيادات تاريخية عن الحركة والاستئثار بالمكاسب التي تحققت بفضل اتفاق جوبا للسلام ومنح السلطة لبعض المقربين منه.

النظام الأساسي واللوائح

وخلال اجتماع تشاوري موسع بمدينة بورتسودان، شددت حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم على ضرورة الالتزام بالنظام الأساسي للحركة واللوائح الحاكمة، مؤكدا أن شرعية المؤسسات الحالية مستمدة من قرارات المجلس الثوري الذي انعقد في مايو/أيار 2016، والذي مدد لأجهزة الحركة المتمثلة في المؤتمر العام والمجلس التشريعي والمجلس الثوري ورئيس الحركة، إلى حين انعقاد مؤتمر عام فور زوال الأسباب التي تحول دون انعقاده.

وطرحت حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم، خلال الاجتماع، خارطة طريق لإنهاء النزاع تتضمن الوقف الفوري لإطلاق النار كمدخل لإنهاء النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع وتهيئة المناخ لانطلاق عملية تفاوضية تخاطب القضايا العسكرية والإنسانية والسياسية.

وطالبت الحركة بتشكيل حكومة تصريف أعمال لحين توافق القوى السياسية والمدنية على ترتيبات دستورية لإكمال الفترة الانتقالية، كما دعت لإعلاء مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وضمان محاسبة مرتكبي الجرائم في حق المواطنين.

جدير بالذكر أن الاجتماع التشاوري الذي دعا له جبريل إبراهيم انعقد بعد يومين من مؤتمر استثنائي دعت له قيادات أعفاها زعيم الحركة بأديس أبابا، وانتهى المؤتمر باختيار مسؤول الحركة السياسي سليمان صندل رئيسا لحركة العدل والمساواة بديلا عن جبريل.

تباين الموقف

ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد الأسباط إن “من أهم الأسباب التي دفعت مجموعة سليمان صندل للانشقاق هو تحكم جبريل إبراهيم، وأخيه غير الشقيق عبدالعزيز عشر، في مفاصل الحركة، وتهميش كل القيادات الأخرى”.

وأضاف: “السبب الثاني أن عددا كبيرا من القيادات التي انشقت كانوا يمنون النفس بمناصب سياسية في حكومة ما بعد اتفاق جوبا الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2020”.

وبين أن “السبب الثالث هو أن قيادات بارزة في الحركة كان لديها موقف من اندلاع النزاع في 15 أبريل/نيسان الماضي، والذين انشقوا يرون أن جبريل إبراهيم سيقود الحركة إلى موقف الإسلاميين من النزاع، وبالتالي هم ضد هذا الموقف”.

وأشار الأسباط، في حديثه ، “كما هو معلوم أن القائد الجديد للحركة سليمان صندل ومساعديه التقوا القائد الثاني بالدعم السريع عبد الرحيم دقلو في تشاد، كما التقوه في أديس أبابا قبل انعقاد مؤتمرهم، هذه هي مجموعة الأسباب التي دفعت هؤلاء القادة للانشقاق”.

وأضاف: “بعضهم يتحدث عن فساد مالي في الحركة، وأن الأموال لا تذهب إلى مصارفها الرئيسية خاصة الجيش، وسليمان صندل كما هو معلوم مسؤول عن الترتيبات الأمنية، بالإضافة إلى أسباب شخصية كثيرة”.

ومنذ منتصف أبريل/نيسان الماضي يخوض الجيش و”الدعم السريع” اشتباكات لم تفلح سلسلة هدنات في إيقافها، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل أغلبهم مدنيون، وأكثر من 4 ملايين نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها، بحسب الأمم المتحدة.

ويتبادل الجيش بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، و”الدعم السريع” بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”، اتهامات بالمسؤولية عن بدء القتال وارتكاب انتهاكات خلال الهدنات المتتالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *